16.16.2012   12:12

مآثر حضرمية في الديار التونسية – من الفينيقيين إلى الهلاليين إلى الحضارمة الأندلسيين

بقلم : د. عبدالله سعيد باحاج

 

ثانياً … الهلاليون من حضرموت إلى تونس : الواقع والأسطورة : ( 2-3 )
بنو هلال قبيلة حضرمية معروفة، وهي تنتشر اليوم في مناطق هينن ووادي عمد ووادي جردان في شمال وغرب حضرموت. وهي قبيلة قديمة العهد، ولم يؤرخ بعد لزمن ظهورها في حضرموت ولا لجذورها العرقية أو القبلية، وربما تكون من بقايا القبائل الحضرمية القديمة في عصور ما قبل الإسلام كحال سيبان وغيرها. ولعلها كانت نتاج قبائل وافدة على حضرموت كما يقول الأستاذ محمد احمد الشاطري في صفحة 373 من كتابه ( أدوار التاريخ الحضرمي )، طبعة 1994م. ويرى الأستاذ محمد بن علي بن عوض باحنان في صفحة 449 من كتابه ( جوهر تاريخ الأحقاف ) طبعة 2008م أن بني هلال هم بطن من كندة. ورغم كل ذلك فإن الترجيح يميل إلى أن بني هلال حضارمة وموطنهم الأصلي في شمال وغرب وادي حضرموت. ولاشك أن البحوث والدراسات في ذلك ستعزز هذا الرأي أو ذاك.
والمهم أن بروز هذه القبيلة جاء من مصدرين الأول وهو مصدر موثّق ويعرف بالغزوة الهلالية إلى المغرب العربي بداية من منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وثانيها التعريبه الهلالية التي عرفت كأسطورة وتداولها الناس في أواخر العهد العثماني ضمن مجموعة من الأساطير والحكايات الشعبية التي سادت المجتمعات العربية.
وتتناول الأسطورة أو الحكاية الشعبية لبني هلال البطولات الخارقة لأبي زيد الهلالي في محاولته الدفاع عن أرضه وأهله، وحيث تقول هذه الأسطورة الشعبية باختصار أن قبيلة عربية ضاق بها الحال في أرضها نظراً للجفاف المتكرر عليها وقلة أمطارها ( وهذا يطابق تماماً الواقع الجغرافي والمناخي في المنطقة المفترضة أن تكون الموطن الأصلي لبني هلال وهي أراضي شمال وغرب حضرموت ). ثم تضيف الأسطورة أن بني هلال أخذوا في الاتجاه غرباً بحثاً عن الماء والكلأ. وقد وجدوا بغيتهم في أراضٍ خضراء واسعة تمتد إلى الأفق في أكثر من موضع واستقروا بها ثم تنشب بعض الخلافات والصراعات بينهم أو مع آخرين تدفعهم إلى الهجرة مرة أخرى إلى مكان آخر. ولعل المقصود بهذه الأماكن المتعددة كل من صعيد مصر حيث نهر النيل والأراضي الزراعية الواسعة حوله وكذلك تونس الخضراء المعروفة بوفرة مياهها وأشجارها.
وخلال هذه الهجرة الهلالية كانت السيرة أو التغريبة تتحدث عن بطولات وخوارق لإبطالها وخاصة قائدهم أبو زيد الهلالي والزير سلامة بل وحتى بعض نساءهم مثل الجازية الهلالية. وهذا يعني أن السيرة الشعبية لبني هلال والتي أطلق عليها تغريبة بني هلال كانت تتجه في مسيرها نحو الغرب أو أنها أخذت طابع الغربة والارتحال والابتعاد عن الموطن الأصلي، ولاشك أن هذا من ذاك.
أما التاريخ الموثق لهجرة بني هلال إلى أراضي المغرب العربي في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي فيقول أن بني هلال كانوا مقيمين في صعيد مصر، وهم من بقايا العرب الفاتحين لأراضي مصر عام 641 على يد عمرو بن العاص، أي أنهم قدموا إلى مصر إما من الشام مع الجيش الإسلامي لفتح مصر وهو الجيش الذي أطلق أصلاً من الحجاز في مراحل سابقة، أو أن بني هلال قد لحقت بهذا الجيش الإسلامي من أراضي الحجاز وعبر البحر الأحمر إلى أراضي مصر. وفي كلا الحالتين فإن هذا يعني أن الحجاز كانت دار إقامة لبني هلال قبل استقرارهم في صعيد مصر.
وهناك من يرى أن بني هلال قبل قدومهم إلى الحجاز قد استقروا فترة في أراضي نجد، وبما أن نجد قاحلة كشمال حضرموت فإنها لم تلب حاجتهم إلى الاستقرار فاتجهوا غرباً نحو الحجاز، ومع ظهور الإسلام والحاجة إلى نشر الدين الحنيف شارك العديد من بني هلال من المقيمين في أرض الحجاز في الفتوحات الإسلامية. وتوجه البعض منهم إلى صعيد مصر حيث استقروا هناك.
ويبدو أن استقرار بني هلال في صعيد مصر كان مناسباً لهم لوفرة الماء والكلأ، ولم تكن لهم الحاجة إلى الرحيل مرة أخرى غير أن الحاكم الفاطمي المستنصر حاكم مصر قد أمر في عام 1052م بإرسال مجموعات مقاتلة من بني هلال ومن أبناء عمومتهم بصعيد مصر وهم من بني سليم وبني رياح إلى القيروان بالأراضي التونسية لقمع حركة مضادة للحكم الفاطمي قام بها المعز بن باديس الزيري والذي أعلن ولاؤه للعباسيين في بغداد، فتوجهت مجاميع من هذه القبائل العربية الثلاث إلى القيروان مروراً ببرقة وطرابلس. وقد ادى بنو هلال ومن معهم مهمتهم في القضاء على حركة المعز بن باديس الزيري وعادت القيروان مرة أخرى وإلى حين للحكم الفاطمي.
ويبدو أن دور بني هلال ومن معهم في القضاء على هذه الحركة لم يقف عند هذا الحد بل استمر تدفقهم على الأراضي التونسية طيلة ثلاثة قرون متتالية مما ترك لهم بصمات واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية والفكرية وغيرها.
ورغم أن بعض الكتّاب والمؤرخين وخاصة من ذوي الثقافة الغربية يغالي في الأثر السلبي لدور بني هلال في الأراضي التونسية ويركز على ما جرى على أيديهم من تدمير لمراكز العمران وتخريب للمزارع وغيره من أعمال الهدم المدني والحضاري، إلا أن كتّاب ومؤرخون آخرون ومن بينهم من أبناء تونس وغيرها ينصفون الدور الهلالي في الديار التونسية، حيث يؤكدون على أن هجرة بني هلال إلى الأراضي التونسية والتي استمرت كما أشرنا حوالي ثلاثة قرون قد صبغت هذه الأراضي التونسية بثلاثة أمور هي مصدر عزتها وفخرها منذ ذلك الزمان وإلى اليوم، وهي دينها الإسلامي ثم لغتها العربية ثم جذورها العرقية العربية الغالبة. وباختصار جعلت هجرة بني هلال وبني رياح وبني سليم من تونس وشعبها وبفضل الله عز وجل كياناً عربياً إسلامياً. ومن ذلك ما أشار إليه الأستاذ الجامعي التونسي الدكتور خليفة الشاطر في صفحة 246 من دراسته التي بعنوان ( سكان البلاد التونسية : نظرة تاريخية ) والمنشورة ضمن دراسات في المسائل السكانية في الجمهورية التونسية والصادر عن المعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمر بالجامعة التونسية عام 1985م.
وقد سميت بعض مراكز العمران في الأراضي التونسية بأسماء زعماء بني هلال ومنها مدينة ( سيدي بوزيد ) والتي انطلقت منها شرارة الربيع العربي مع حادثة الشاب محمد البوعزيزي في 17 ديسمبر 2010م. كما توجد بلدة أخرى على الساحل التونسي ما بين مدينتي المهدية والمنستير تسمى ( قصر هلال ).
وينتشر بنو هلال اليوم في الأراضي الوسطى من الجمهورية التونسية وتحديداً من القيروان شمالاً إلى شط الجريد جنوباً. وفي هذه الأراضي يذكرك سكانها بأنهم من سلالة بني هلال، وهم يعتزون بذلك ويفتخرون به. وهم يرون في ذلك إسلاماً وعروبة ولغة صحيحة وصافية تنطق بلغة الضاد. ولعلنا لا نغالي إذا ما قلنا أن من القبائل العربية الهلالية أو من تصاهر معهم من القبائل الأخرى ظهرت قبائل عربية معروفة اليوم في تونس ومنها قبيلة المرازيق والتي ينتمي إليها الرئيس التونسي الحالي الدكتور محمد المنصف المرزوقي وهو من أهالي بلدة دوز جنوب شط الجريد، وكذلك قبائل عربية أخرى في كل من قبلّي وتوزر ونفطة والحامة وقابس المطلة على خليج قابس، وكذلك في كل من قفصة والقصرين وغيرها من المناطق التونسية. ولا تكاد اليوم مدينة أو بلدة أو قرية أو محلة في الجمهورية التونسية إلا ويقطنها بعضاً من بني هلال خصوصاً مع إمكانية التنقل السهل والاستقرار في كافة ربوع هذه الجمهورية.
ورغم أنه لا يعرف على وجه التحديد عدد هؤلاء التونسيين المنحدرين من بني هلال والقبائل العربية الأخرى معها والذين هم بلا شك من مواطني الجمهورية التونسية الحالية، إلا أن الدكتور خليفة الشاطر السابق ذكره قد أشار في صفحة 252 من دراسته المشار إليها سابقاً إلى أن عدد هؤلاء قد بلغ حوالي نصف سكان الأراضي التونسية عام 1847م. وهذا يبين الأثر الديمغرافي والسكاني التي تركته هجرة بني هلال والقبائل العربية الأخرى معها في سكان الجمهورية التونسية، وحيث كانت الهيمنة العددية لبني هلال بلا شك. وهو أثر يلمسه بوضوح كل من يزور تونس ويتجول في المناطق الوسطى والجنوبية منها حيث مرابع بني هلال، فيشاهد المرء هناك نماذج حية من الملامح والسحنات والهيئات الجسمية والشكلية والخلقية ويسمع بعض مفردات اللهجة المتداولة التي تتطابق أو تتشابه مع ما هو موجود في حضرموت وخصوصاً في شمالها وغربها في هينن ووادي عمد ووادي جردان. وهي التي قلنا أنها تفترض أن تكون المواطن الأصلية لبني هلال، والذين خلّدوا اسمهم في سجل البشرية من خلال الأسطورة ومن خلال وقائع التاريخ الموثق. ولاشك أن مرويات الأساطير تنبع دائماً من حقائق التاريخ وإن أخذت أشكالاً أو أنماطاً مغايرة.

مآثر حضرمية في الديار التونسية 1-3

 


تعليقات القراء
عدد التعليقات 1
حسني بادقيل الحلكي - جدة
الخميس 27 ديسمبر 2012 11:32
شكراً للأستاذ عبدالله باحاج على الموضوع الطيب . حقيقةً هناك تلفيق و ربما تزوير من قبل البعض ممن كتب في الأنساب و أرخ لها على الرغم أن واقع الآثار و النقوش تثبت عكس كتب الأنساب فمثلاً واقعياً قبيلة سيبان الحضرمية و هي ليست حميرية هي عنصر حضرمي قديم في المنطقة جعلها الهمداني من حمير و كذلك ينطبق على الصدف و المهرة فمثلاً الصدف جعلها في كندة و الواقع الآثري غير ذلك و كذلك ينطبق على المهرة حقيقةً هناك ثلاث عناصر قبائل تعتبر من سكان حضرموت الأصليين أي لم تفد من الخارج بحسب معطيات النقوش و الآثار و هم " سيبان و الصدف و المهرة " هذي عناصر قديمة في المنطقة فقد ورد ذكرها في النقوش المسندية الحضرمية القديمة على أنها عناصر أصيلة و قديمة في حضرموت ولم تفد من الخارج بعكس الكثير من القبائل الناقلة التي وفدت و دخلت و سكنت في حضرموت في فترات تاريخية متلاحقة .
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رئي الموقع ولا يتحمل أي مسئولية قانونية إزاء ذلك.
X
نتيجة التصويت
dasd
تصويت
  • نعم
  • لا
مقالات وكتاب

صفحتنا على الفيسبوك

تويتر